ابن أبي جمهور الأحسائي

148

كاشفة الحال عن أحوال الاستدلال

لاختصاص الراوي بحاجة المجتهد إليه ، واختصاص القاضي بحاجة الأشخاص إلى قطع المنازعات ، وعموم حاجة الكل إلى المفتي في تعريف جميع الأحكام ، فكان وجوده من ضروريات الدين وتمام شرائط التكليف . فلا يجوز خلوّ الزمان عنه ، ولو خلا بلد منه وجب عليهم النفور إلى بلد يمكنهم فيها تحصيل الشرائط على الكفاية ، بمضمون قوله تعالى فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ « 1 » . أوجب النفور على طائفة غير معينة ، فيجب النفور على الكل ، حتى يحصل منهم من يقوم بذلك ، فيسقط به الوجوب عن الباقين . ولا يجوز لهم الاشتغال عن ذلك بشيء من العبادات ولا غيرها ، إلّا بقدر تحصيل المعاش الضروري لا غير ، ولو لم يفعلوا ذلك كان الكل مأثوما مخاطبا ، إذ لا يحل لهم صرف شيء من الزمان في غير ذلك ، وأما خلوّ جميع البلاد منه فغير جائز عندنا ، لاستلزامه رفع التكليف ، وفسق جميع الأمة وخروجهم عن العدالة أجمع ، وهو مستلزم رفع الثقة بشيء من أحكام الدين . ولا يجوز لمن ليس موصوفا بالعلم والعدالة والفتوى بإجماع الأمة ، لأنّه قول بمجرد التشهي ، وقول على اللّه بما لم يعلم ، فلا يصح الفتوى للمقلد سواء قلّد حيا أو ميتا ، بلى من سمع من المفتي الفتوى بشيء من الأحكام ، وكان السامع موصوفا بالعدالة ، متقنا لما سمع عارفا بمعناه ، صح له ان يرويه ، وصح لذلك الغير العمل بما يحكيه له عن المفتي ، إذا كان عارفا بعدالة الراوي والمروي عنه ، وأنّه موصوفا بشرائط المفتي ، ويسمى ذلك راويا لقول المفتي لا مفتيا ، فلا يتصرف تصرف المفتي . لكن يشترط بقاء المفتي ، إذ لو مات بطلت الرواية لفتواه ، وحكاية

--> ( 1 ) التوبة : 122 .